أشعريات

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]15

إعداد:

د/ عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل

د/ مولاي إدريس غازي، باحث بمركز دراس بن إسماعيل.


قال الناظم رحمه الله:

يجب لله الوجــود والـقدم        كذا البقاء والغنى المطلق عـــــم

وخلفه لخلقه بلا مثـــــال        ووحدة الذات ووصف والفعـال

وقدرة إرادة علم حيـــــاة        سمع كلام بصر ذي واجبـــات

قال الشارح رحمه الله:

وأما قوله: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) [ سورة الروم، الآية: 27]، فليس المراد به أن الإعادة أهون عليه من البدء فيلزم التفاوت كما هو ظاهر اسم التفضيل، بل اسم التفضيل بمعنى الوصف الذي لا تفضيل فيه، أي هين عليه على حد: الأشج[1] والناقص[2] أعْدَلا بني مروان، أي عادلاهم، أو أريد به الزيادة المطلقة لا بالنظر إلى مفضل عليه، أي وهو في غاية السهولة عليه، ولا يلزم منه حينئد أن البدء ليس كذلك، بل هو في غاية السهولة  أيضا، وقد ذكر هذا الاستعمال المرادي تبعا للتسهيل، قال سيدي زروق: "ومن قوي إيمانه بالقدرة لا يكون عنده شيء أغرب من شيء، واستغراب الخوارق من ضعف اليقين بالقدرة، ولهذا قال عيله السلام في حديث تكلم البقرة لما قالوا: سبحان الله بقرة تتكلم: (آمنت به أنا وأبو بكر وعمر)"[3]. قال الشيخ أبو العباس[4]: أي آمنت به أنا وأبو بكر وعمر بلا عجب، وأنتم مع العجب، إذ الكل آمنوا به) اهـ. قلت الحديث في مسلم من رواية أبي هريرة هكذا: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت إني لم أُخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث فقال الناس سبحان الله تعجبا وفزعا بقرة تتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أومن به وأبو بكر وعمر). قال أبو هريرة: (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينما راعٍ في غنمه عدا عليه الذئب[5]، فأخذ منها شاة فطلبها الراعي حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له من لها يوم السبع، يوم ليس لها راعٍ غيري، فقال الناس: سبحان الله، فقال رسول الله صلى الله عيله وسلم: فإني أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر)[6]. زاد في رواية: وما هما ثم، أي لم يحضرا عند النبي حين قال هذا، ولكنه علمه من حالهما. قلت: ولاستحضار أبي بكر رضي الله عنه أن نسبة الممكنات كلها إلى القدرة على السوية بادر إلى التصديق بخبر الإسراء، وذلك أن المصطفى لما أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس في المسجد، ولم يحضره أبو بكر، فأسرع الناس إلى أبي بكر فقالوا هل لك في صاحبك يزعم أنه جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة، فقال والله  لئن كان قالها لقد صدق، فما تعجبكم من ذلك؟ فو الله إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، وهذا أبعد مما تعجبون منه، فسماه المصطفى يومئذ صديقا، وهذا من وفور عقله وثقوبة ذهنه؛ لأن إمكان هذه السرعة نظري لا ضروري، ولذا كذب به الكفار وارتد يومئذ كثير ممن كان أسلم، وقد أدرك الصديق إمكانها بسرعة حتى كأنه ضروري. قال البيضاوي: (استحاله قريش والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ساعة، وقد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض و[الله] قادر على كل الممكنات، فيمكن أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمله من البراق)هـ. ولا تتعلق القدرة بالواجب والمستحيل؛ لأنها إن تعلقت بوجود الواجب وعدم المستحيل لزم تحصيل الحاصل، وإن تعلقت بعدم الواجب ووجود المستحيل لزم قلب حقيقتهما برجوعهما جائزين، وقد فرضا واجبا ومستحيلا هذا خلف، ولخفاء هذا على بعض الأغبياء من المبتدعة قال إن الله قادر على أن يتخذ ولدا وإلا لزم عجزه، وما درى أن العجز إنما يلزم لو كان القصور من ناحية القدرة، أما إذا كان لعدم متعلقها الذي يتعقل صحة تعلقها به، فلا عجز أصلا. قال الأستاذ الاسفرايني: (أخذ هذا المبتدع وأشياعه ذلك بحسب فهمهم الركيك من إدريس عليه السلام، فإن الشيطان جاءه في صورة إنسان وهو يخيط، ويقول في كل دخلة وخرجة للإبرة سبحان الله والحمد لله، فأتاه بقشرة بيضة فقال آلله يقدر أن يجعل الدنيا في هذه القشرة، فقال: الله قادر أن يجعل الدنيا في سم هذه الإبرة، ونخس إحدى عينيه فصار أعور. قال: وهذا وإن لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد ظهر وانتشر ظهورا لا يرد). وقد أخذ الأشعري من جواب إدريس أجوبة في مسائل كثيرة، وأوضح هذا الجواب فقال: إن أراد السائل أن الدنيا على ما هي عليه والقشرة على ما هي عليه فلم يقل ما يعقل، فإن الأجسام الكثيرة يستحيل أن تتداخل وتكون في حيز واحد، وإن أراد أنه يصغر الدنيا أو يكبر القشرة فلعمري الله قادر على هذا وأكبر منه. قيل ولم يفصل إدريس عليه السلام الجواب هكذا؛ لأن السائل معاند معنت، ولذلك عاقبه بنخس العين، وذلك عقوبة كل سائل مثله.

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227 هـ على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين، ص: 57-58. 

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين) 

مطبعة التوفيق الأدبية

 

الهوامش:

 


[1] - المراد بالأشج هو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، لقب بذلك لأن بجبينه أثر شجة من دابة ضربته.

[2] - المراد بالناقص هو يزيد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، لقب بذلك لأنه نقص أرزاق الجند

[3]- جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

[4]- المراد به الشيخ  أبو العباس المرسي تلميذ الشاذلي رضي الله عنهم.

[5]

[6]- جزء من حديث رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذا خليلا.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]18

المحال هو أن تصير الحقيقة مع بقائها عين حقيقة أخرى، أما إذا ذهبت وخلفتها حقيقة أخرى في محلها بعد زوالها وانعدامها فلا محذور فيه، وإذا صح أن تخلف الجمادية الحيوانية بالموت صح أن تخلف الحيوانية الجمادية بالإحياء، ولذلك صح البعث.

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]17

العلم القديم المراد هنا أنه صفة كاشفة لجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات على ما هي عليه في الواقع كشفا إحاطيا في الظاهر والباطن، فمتعلقه أعم من متعلق القدرة والإرادة، ولا تفاوت في المعلومات أجلاها وجليها وخفيها وأخفاها بالنسبة إلى علمه تعالى.

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]16

ما هو محمود شرعا من أفعال العباد فينسب إلى الله تعالى حقيقة خلقا وإيجادا وشريعة وأدبا، وإلى العبد شريعة لا حقيقة لكسبه له، وينبغي لصاحبه الاقتصار على نسبته إلى الله تعالى أدبا.