سلوكيات

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(9)

دة/أسماء المصمودي

باحثة بمركز دراس بن إسماعيل:

 

قراءة في كتاب غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

1ـ قراءة في عنوان غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية:

أقصد من خلال هذه القراءة الالتفات إلى مواطن الجمال في عنوان الكتاب وهو عتبة أولى من عتباته، إذ يعتبر أساس الخطاب المقدماتي لأي تأليف، فلا غرو أن للعنوان دلالة كبرى على محتوى التأليف الإبداعي، إذ يلخص العمل دلالة وصياغة، وهو محرك بالضرورة لانفعالات المتلقي ومحفز  للاستطلاع والاطلاع، ومن ثمة فهو يحضر في سياق توظيفي يغري بالقراءة والتلقي، والشروح عموما وخاصة شروح الحكم العطائية هي كتابة إبداعية تنطلق من عمق ذات الشارح وتتوسل بمناهج تختلف من شارح لآخر تمتطي اللغة وأساليبها لبلوغ الدلالة المقصودة من طرف مؤلف المتن المشروح، أو تتمكن من إغنائه وإثرائه، كما تطرح مقاربات متعددة لفهم المتن المشروح، لذلك فإن الشروح هي كتابة إبداعية تتخللها معايير جمالية تنطلق من العنوان إلى المقدمة ومنها إلى سائر التأليف، لذا  سأقوم بمقاربة العنوان من خلال استحضار مكونين جماليين أساسيين؛ البعد الجمالي النغمي، والبعد الجمالي البياني.

فبالنسبة إلى الأول، تحققت الجمالية النغمية في العنوان من خلال مكونات أساس نجملها في الآتي:

* استدعاء مكونين بلاغيين أساسيين؛ السجع من حيث استحضار نفس النهايات: "ية" العَلية ــ العطائية، وكذا الجناس الغير التام، إذ نلمس اختلافا في عدد الحروف بالزيادة في كلمة"العطائية" .

* تكرار حرف العين الذي يعد من الحروف المجهورة الرخوة، قال الأزهري: "ومعنى المجهور أنه لزم موضعه إلى انقضاء حروفه وانحبس النفس أن يجري معه، فصار مجهورا لأنه لم يخالطه في غيره"[1]  . كما أن"العين والقاف" لا تدخلان على بناء إلا حسنتاه لأنهما أطلق الحروف...أما القاف فأمتن الحروف وأصحها جرسا، فإذا كانت إحداهما أو كلاهما في بناء حسُن لصناعتهما"[2]. فوقوع حرف العين في موقعين متوازنين من الجملة في كلمتي " العَلية" والعطائية"، أضفى عليها بعدا نغميا خاصا لافتا للأسماع وموقظا للأفهام.

* الالتصاق بين الحاء في كلمتي "شرح" "الحكم". وهو من الحروف المهموسة  وكذا حضور الهاء في العنوان في كلمة "المواهب"؛ حرفان لهما نفس المخرج الصوتي وهو الحلق، وإن كانت الأولى من وسطه والثانية من أقصاه، مع وجود بحة في الحاء[3]. فتكرار الحاء في العنوان مع إضافة حرف الهاء في كلمة المواهب يشكل انسجاما صوتيا من حيث المخرج، وقد ذكر ابن جني في الخصائص أن "الدلالة الجزئية للصوت تساير الدلالة العامة للكلمة"[4]، ومن ثمة فإن استثمار حروف دون غيرها في العنوان كان مسخرا لخدمة الدلالات التي تحملها ألفاظها، والتي سنتبينها من خلال البعد البياني في العنوان.

وأما  البعد البياني فيظهر من خلال استثمار التشبيه في جماليته الاستعارية

غيث المواهب: الغيث في اللغة مطر غزير يجلب الخير، ويطلق مجازا على السماء والسحاب والكلأ... غاثه الله غوثا: نصره وأعانه.[5]

المواهب في اللغة: غدير ماء صغير، الاستعداد الفطري لدى المرء للبراعة في فن أو نحوه.[6]

غيث المواهب: كلمة الغيث مبتدأ وهو مضاف والمواهب مضاف إليه، العَلية نعت تابع لمنعوته في الجر، فتلك المواهب العلية هي تابعة لغيث إدراكي فتح به الله عز وجل على الشارح ليبين بعضا من معاني الحكم العطائية، فشبه تلك الفهوم بالغيث على سبيل الاستعارة التصريحية وتقدير الكلام فهوم كالغيث، وقد شبهها بغدير الماء الصغير تواضعا منه واعترافا منه بأن ما جاء على يده من فهوم هي بمثابة غدير صغير في بحر فهوم قد تفيض على غيره، ولعله يقصد استعداده الفطري والروحي لقراءة الحكم وفهمها فهما صوفيا عرفانيا، تلك قراءات قد تصيب غاية المؤلف وقد تخطئها، غير أن الأكيد أن اختياره لكلمات العنوان يقصد حتما إلى تأكيد معنى عميق كما هو حال الصوفية في اختيار عتبات كتبهم ومؤلفاتهم.

 

الهوامش:


[1] ــ لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، باب ألقاب الْحُرُوف وطبائعها وخواصها.

[2] - لسان العرب، باب العين.

[3] - حركات العربية، دراسة صوتية في التراث الصوتي العربي، عبد الحميد زاهيد، ط.1،2005، المطبعة والوراقة الوطنية، ص.28

[4]- نفسه، ص.32

[5] ـ لسان العرب، مادة (غيث)

[6] ـ لسان العرب، مادة( وهب)



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(13)

غالبا ما ينطلق ابن عباد في شرحه من توضيح وتحديد مصطلحيٍّ للكلمة، بمعنى أنه لا يعود إلى الأصل اللغوي وإنما يفسر ويشرح شرحا وتوضيحا صوفيا.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(12)

خلو القلب من التعلقات دليل على وصاله برب العباد.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(11)

انبنى منهج ابن عباد في شرحه للحكم على تفسير المراد من القول؛ إذ غالبا ما يَسْنُد شرحه بالاستشهاد بالآيات و الأحاديث، وغالبا ما تتلخص مقصديته في البعد التذكيري وكذا التربوي، حتى يكون شرحه معزِّزا لمقاصد الحكم.