بحث و حوار

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(2)

د. عبد الرحيم السوني

باحث بمركز دراس بن إسماعيل:


1: المصطلح الصوفي: أصله وشرعيته

لما كان المصطلح الصوفي تعبيرا عن أحوال النفس البشرية وتقلباتها([1])، وما يرتبط بأمر تدرجها في السلوك إلى الله تعالى، لزم أن نجد لهذا المصطلح أصولا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، على اعتبار أن الوحي إنما جاء لتحقيق مقصد أصلي ألا وهو تزكية النفس وتطهيرها([2]). والناظر في هذه المصطلحات، يجد أن أغلبها مأخوذ من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ وذلك من قبيل: الشريعة، والطريقة، والحقيقة، والذكر، والنفس، والقلب، والروح، والسر، والخاطر، والحال، والمقام، والقبض، والبسط، والذوق، والتجلي...الخ. غير أن هذه المصطلحات منها ما بقي على أصله، ومنها ما تغيرت دلالته بحسب التجربة الروحية التي يحياها الصوفي. وهذا الأمر ليس بدعا إذا ما علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم - باعتباره المبيّن لكلام الله تعالى - قد كشف عن كثير من المعاني الخفية لألفاظ القرآن الكريم([3])، كما أن الصحابة والتابعين قد نقل عنهم من الأخبار ما يدل على أنهم عرفوا هذه المعاني وأخذوا بمقتضاها([4])، وهو ما تطور فيما بعد ليبرز في نوع مخصوص من التفسير هو "التفسير الإشاري"؛ إذ يستمد المصطلح الصوفي أصوله وشرعيته من الفعل التأويلي لكلمات الله تعالى عبر تجربة إسلامية عميقة.

ولمَّا كان القرآن الكريم متضمنا لكل تفاصيل الدين في أصوله الكبرى، فقد انطلق الصوفية في تجربتهم من القرآن على اعتبار أنه الأصل الذي استمدوا منه مبادئهم وأصولهم، شأنهم في ذلك شأن باقي العلوم الإسلامية التي نشأت في رحاب كلام الله تعالى. فالتصوف تجربة تطبيقية لما في القرآن الكريم من إشارات أخلاقية، إذ إنه تأوُّل للنص القرآني من خلال الوقوف على مقاصده الخلقية. فأهل التصوف يرون أن القرآن جاء من أجل تربية النفس البشرية وتزكيتها وتطهيرها، وكله إشارات في هذا الباب.

إن الخطاب الصوفي هو تفاعل بين ذات الصوفي والقرآن الكريم من خلال تجربة سلوكية خاصة تعتمد أساسا على التخلق بأخلاق القرآن الكريم الذي هو «شامل لحقائق الإنسان وحقائق العالم، وعندما يتحقق الصوفي، عبر تجربته، باستكناه حقيقة ذاته، فإنه في الوقت نفسه يفهم كلمات القرآن وكلمات العالم، فتغدو مظاهر الكلمات جميعها إشارات ورموزا هي خطاب الحق إلى الإنسان الذي عليه أن يتبين معانيها ومقاصدها عن طريق اتباع أوامر الكتاب المنزل والتحلي بآدابه، في سبيل القرب من المتكلم الأسمى سبحانه، وهذه هي طريق العرفان الذي هو حضور كلي ومتجدد داخل الشبكة الإشارية لكلمات الله في قرآنه وفي أكوانه»([5]).

الهوامش: 

 


[1]- ينظر تقديم طه عبد الرحمن لكتاب "المصطلح الصوفي بين التجربة والتأويل" لمحمد المصطفى عزام، نداكوم للصحافة والطباعة، ط 1؛ 2000، ص:  10.

[2] - كما دلت على ذلك العديد من الآيات والأحاديث منها قول الله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم﴾ البقرة الآية 150، وقوله على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم﴾، البقرة الآية 128، وقوله: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم﴾ آل العمران الآية 164، وقوله عز من قائل: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ الجمعة الآية 2، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» أخرجه مالك في الموطأ عن أبي هريرة، وغير ذلك من الأحاديث التي تنضوي ضمن ذات السياق.

[3] - من ذلك تفسيره عليه السلام للظلم في قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم...﴾ [الأنعام الآية 82] الذي استشكل على الصحابة ولم يفهموا إلا معناه الظاهر، فبين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقته التي هي الظلم، وكذلك تفسيره عليه السلام للعبادة في قوله تعالى: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ [غافر الآية 60] بأنها الدعاء وغيرها من النماذج التي لا يتسع المجال للتفصيل فيها.

[4] - ينظر مثلا: التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، دار الكتب الحديثة ـ مصر، ط 2؛ 1976، 2/ 354.

[5] - المصطـلح الصوفي بين التجربة والتأويل، م. س، ص:  13.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(6)

المقصد من إنجاز كتب المعاجم الصوفية هو شرح الألفاظ الجارية على ألسنة القوم، والذين حاولوا من خلالها التنبيه إلى أن الألفاظ عندهم تحمل معاني خاصة، وأنها ذات طبيعة رامزة يصعب على غير الصوفي استيعاب دلالتها أو فك شفرتها، فجاءت معاجمهم موضحة ومفسرة لما اختص به القوم من حقائق طريقهم ودقائقها.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(5)

يكاد يكون كتاب "اللطائف" مستوعبا لكل الكتب التي سبقته في هذا الشأن؛ لكونه تضمن على وجه التفصيل ما يزيد على ألف وستمائة مصطلح صوفي.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(4)

السراج الطوسي أول من تكلم في مصطلحات التصوف، وأول من أخذ بزمام المبادرة في وضع عمل مرجعي للتعرف عليها.