شذرات القرويين

الحركة العلمية بالقرويين على عهد المولى إسماعيل[6]

دة/ فاطمة نافع 

أستاذة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس.


الإسهام المعرفي:

تحددت معالم التعاطي الفكري خلال هاته الفترة، في ظل توحد مناهج التدريس في القرويين وغيرها من الجوامع، وتوحد أساليب البحث وطرق التصنيف، انسجاما مع النهل من نفس النبع، حيث علماء القرويين ينتجعون الشرق لإتمام المعارف والمزيد من التحصيل، وتبادل الإجازات والخبرات.

والمعطيات حول تطور الحقل المعرفي تؤكد على غزارة الإنتاج المكتوب، وعلى ظاهرة التنوع في مجالات التأليف.

وتراوحت الحصيلة الإنتاجية بين الكتب الفقهية كالدر الثمين لميارة، وكتب الرحلات كمحاضرات اليوسي والرحلة العياشية، وكتب التراجم والمناقب كالدرر المرصعة، ومرآة المحاسن، ونشر المثاني، والأراجيز كالأقنوم، وكتب أدبية، وشروح وحواشي، وكتب طب وفلك وهندسة وغيرها[1]، وقد شمل التأليف كل المواد المدرسة بجامع القرويين.

مما يعطي انطباعا عن أن الجهاز الفكري المغربي شكل فسيفساء معرفية، عكست اهتمامات وأولويات علماء هذا العهد.

وإلى جانب الوفرة نجد التنوع، فالمؤلف الواحد يكتب في الفقه والتاريخ والطب والتصوف والتراجم والآداب وغيرها[2].

وهو ما يبينه عبد الرحمان ابن زيدان في كتابه : " معجم طبقات المؤلفين على عهد دولة العلويين"[3] وتعزى هذه الدينامية العلمية فيما يتعلق بالإكثار من التصنيف وتعدد مجالاته، إلى مؤهلات الهيئة العلمية، التي شغلت كراسي جامع القرويين.

ففي ترجمة محمد بن أحمد الفاسي، يذكر عبد الله الفاسي في كتابه "الإعلام بمن غبر" : "الفقيه الخطيب البارع الجامع لما تشتت من درر الفنون اللوامع، القاضي الأعدل المشارك الأفضل... استوطن فاس، فانتفعنا به وانتفع به خلق كثير ودرس في سائر العلوم، وكان حفظه مما يبهر العقول... إمام معتبر في المعقول والمنقول، محدث نحوي، لغوي، بياني منطقي، أصولي، بارع في جميع ذلك، فصيح العبارة رائق الإشارة"[4].

وفي ترجمة محمد المسناوي الدلائي، يقول القادري في نشر المثاني: "الإمام الكبير، العلامة الشهير، الحافظ المتقن الدراكة المشارك المتفنن... تاج الكراسي والمنابر، وعين أعيان المشايخ الأكابر، شيخ الجماعة... كان صاحب الترجمة آية في العلوم.... وقد أعطي ملكة التدريس والفتيا، .... تتلمذ له جميع أهل عصره، وانفرد برئاسة التدريس... محقق كبير، فقيه محدث أصولي بياني، مفسر، أديب مؤرخ عالم بالأنساب، صوفي، آخر النظار بفاس..."[5]

ويحلي عبد الله الفاسي، " في الإعلام بمن غبر"، عبد الرحمان بن القاضي بقوله:" الأستاذ الحافظ الراوية المقرئ المجود الفقيه... كان .. من الأساتيذ المبرزين في علوم القراءات، وممن يعول عليه في أحكامها ومعرفة توجيهاتها، وحفظ مذاهب أئمتها وترجيحاتها، وإليه يرجع طلبة العلم في ذلك، وبه يقتدون في تلك المسالك، فلا تجد أستاذا في المغرب إلا وقد روى عنه أو عن تلامذته، وله مصنفات في القراءات مشهورة وأبيات شتى في مسائل علمية... وله أجوبة نظما ونثرا في علم الرسم والضبط"[6].

الهوامش: 

 


[1] -عبد العزيز بنعبد الله، معطيات الحضارة المغربية، الجزء الأول، ص : 70.

[2] -نفسه، ص : 76.

[3] -ابن زيدان، معجم طبقات المؤلفين على عهد دولة العلويين، تحقيق : حسن الوزاني.

[4] -عبد الله بن محمد الفاسي، الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر، ص : 237، تحقيق : فاطمة نافع.

[5] -القادري، نشر المثاني، الجزء الثالث، ص : 265 إلى 278.

[6] -عبد الله الفاسي، الإعلام بمن غبر، ص : 237



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(5)

فتح الله عليه طريق التعلم والارتقاء في طلب العلم سواء العلوم الشرعية أو العلوم التطبيقية رغم ما وجده من صعوبة في صغره، في التلقي واستيعاب الدروس.

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(4)

إذا كان القلم الفاسي لم يكن يستخدمه – يوم كان يُستخدم- إلا القضاة والعدول، فمع مرور الوقت وقلة مستخدميه لم يعد يعرفه أحد إلا الواحد بعد الواحد من أهل العلم.

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(3)

لئن كان القلم الفاسي قد اشتهر وارتبط بتقييد التركات وما يخشى وقوع التزوير فيه، فقد استخدمه العلماء والنساخ كذلك في تأريخ المخطوطات.