أشعريات

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (5)

ذ. عبد العلي بلامين

باحث بمركز درّاس بن إسماعيل

 

2- أبو علي السكوني وكتابه: "لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام" 

كتاب "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" ضمّنه مُؤلفه أصالة التنبيه على ما استجد على ألسنة العوام من إطلاقات تخالف الكتاب والسنة، ولا تليق بالله تعالى ولا بأنبيائه عليهم السلام، كما ضمّنه التحذير من بعض مزالق الخطباء والشعراء والعلماء، مخافة أن يفتتن بها العوام.

وباستقراء المسائل التي تعرّض لها أبو علي السكونيّ في كتابه هذا تبين لي سلوكه مسالك منهجية متنوعة في التعامل مع النوازل العقدية، والمسائل المستجدة في علم الكلام، تنمّ عن سعة علمه وانفتاحه على واقعه.

 وفيما يأتي بسط لما استنبطته من هذه المسالك من خلال كتابه "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" معتمداً النُّسخة التي نُشرت في العدد: (12) من حوليات الجامعة التونسية، الصادر سنة 1975م، من الصفحة (117) إلى الصفحة (255).

 

2-1 تصوره النازلة قبل الحكم عليها:

لا يُبادر أبو علي السكونيّ إلى الحكم على النازلة إلا بعد تصوّرها، فغير خافٍ  عليه أن الحكم على الشيء فرع عن تصوّره، لذلك تجده ينقل بأمانة مختلف الإطلاقات الفاسدة كما وردت على لسان قائلها ولو كانت غير فصيحة ميّالة إلى الدارجة مثل: "على وجه من صبحنا في هذا اليوم"[1]، فبيّن أنه تطيّرٌ مَنهيٌّ عنه في الشرع[2].

ومثل: "يُعطي الله الفُول لمن ليس له أسنان"[3]، فوضّح أنّ فيه الاعتراض على الله تعالى في أحكامه...[4].

وينقل بأمانة كلام الشعراء الذي تخلّلته انحرافات عقدية، لكنه لا ينقل الكفر الصّراح الذي لا يخفى أمره على أحد، ويبقي قائله نكرة؛ لأنه في الأصل نكرة. يُعبّر عن منهجه هذا بقوله: "وكان بصقلية شاعر يمدح بعض ملوك الروم فساواه بالأنبياء (...) وإنما لم نذكر مقالته؛ لأنها كفر صراح لا يخفى على أحد ردّها إذا سمعها" [5].

ومن خلال ما سيأتي من توضيح مسالكه في الحكم على مختلف المسائل المستجدة ستنجلي قوة تمكُّنه من تصوّر النوازل.

2-2 تتبعه الشمولي والواقعي للنوازل العقدية:

ويظهر ذلك من خلال تتبع أبي علي السكوني لمستجدات ما يجري على ألسنة الناس بمختلف فئاتهم الاجتماعية والثقافية من مخالفات عقدية. فإلى جانب التنبيه على أخطاء العوام –وهو الغالب في الكتاب- من أهل البادية[6] والحضر ومن النساء[7] ومن أهل الأسواق[8]، لم يغفل أبو علي السّكوني عن رصد أخطاء بعض العلماء[9] والخطباء[10] والشعراء[11].  

2-3 عدم تصريحه بأسماء من جرى اللّحن على ألسنتهم إلا عند الضرورة:

المعتمد في الغالب عند أبي عليّ السّكونيّ عدم التّصريح بأسماء من جرى الخطأ على لسانهم، فكثيراً ما يُعبّر بالتعريض إذا رام النُّصح بعبارات: "لا يُقال..."[12] و "...بعض العوام.."[13] و"...بعض الخطباء"[14] و"يقول قائلهم..."[15] و"...وأكثر ما يجري هذا اللفظ على ألسنة النساء"[16].

لكنه يضطرّ في بعض السياقات إلى التعيين خصوصاً عند التحذير من مقالات بعض الشعراء التي انحرفت عن الجادّة، وعند التنبيه مما ورد في بعض المؤلفات المشهورة التي يكثر تداولها بين الناس. يشير أبو علي السكوني إلى منهجه في هذا السياق بقوله: "...وتركنا ذِكْر قومٍ يقلّ وُقوع كلامهم بين أيدي الناس"[17]. فتأمل نظرته المقاصدية في النُّصح.

 

الهوامش:

 


[1]- "لحن العوام":182.

-[2]نفسه:182.

-[3]نفسه:206.

-[4]نفسه:206.

 -[5]نفسه: 148.

-[6]نفسه:  207.

-[7]نفسه: 174.

-[8]نفسه: 182.

-[9] نفسه: 209-212.

[10] -نفسه: 169.

[11] -نفسه: 145-151.

[12] -نفسه: 161

[13] -نفسه: 187

-[14]نفسه:169

[15] -نفسه: 163

-[16]نفسه: 174

-[17]لحن العوام: 212.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]18

المحال هو أن تصير الحقيقة مع بقائها عين حقيقة أخرى، أما إذا ذهبت وخلفتها حقيقة أخرى في محلها بعد زوالها وانعدامها فلا محذور فيه، وإذا صح أن تخلف الجمادية الحيوانية بالموت صح أن تخلف الحيوانية الجمادية بالإحياء، ولذلك صح البعث.

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]17

العلم القديم المراد هنا أنه صفة كاشفة لجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات على ما هي عليه في الواقع كشفا إحاطيا في الظاهر والباطن، فمتعلقه أعم من متعلق القدرة والإرادة، ولا تفاوت في المعلومات أجلاها وجليها وخفيها وأخفاها بالنسبة إلى علمه تعالى.

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]16

ما هو محمود شرعا من أفعال العباد فينسب إلى الله تعالى حقيقة خلقا وإيجادا وشريعة وأدبا، وإلى العبد شريعة لا حقيقة لكسبه له، وينبغي لصاحبه الاقتصار على نسبته إلى الله تعالى أدبا.